د. نائلة الوعري: القدس بين مخططات التفريغ وصمود أهلها
- 16 مارس
- 3 دقيقة قراءة

د. نائلة الوعري
في ظل إصرار سلطات الاحتلال على إبقاء المسجد الأقصى مغلقاً في وجه المصلين طوال شهر رمضان المبارك وحرمان المسلمين في القدس ونواحيها من الصلاة فية، تعيش القدس واحدة من أكثر لحظاتها قسوة. فإغلاق الأقصى لا يطال مكاناً للعبادة فحسب، بل يمسّ قلب الحياة الدينية والروحية في المدينة، ويكشف في الوقت ذاته حجم الضغوط التي يواجها المقدسيون في مدينتهم.
غير أن الواقع في القدس لا يقتصر على المسجد الأقصى وحده، رغم رمزيته الدينية والتاريخية الكبرى،
بل أدى إلى تغيّر المشهد الذي اعتادته المدينة عبر سنوات طويلة. فالساحات التي كانت تمتلئ بالمصلين، والطرق التي كانت تعجّ بالناس القادمين من أحياء القدس ومن مدن فلسطين وقراها، للصلاة في المسجد الأقصر تبدو اليوم خالية ن المصلين ، في صورة تعكس حجم القيود المفروضة، ومذكرات المنع والإبعاد التي تطال شيوخ الدين، والمرابطين والحراس، وصولاً إلى احتجازهم ومنعهم من إقامة الصلوات ودخول الأقصى. ولا يقتصر أثر هذه الإجراءات على المسجد الأقصى وحده، بل إمتد المشهد إلى الحياة اليومية في القدس القديمة، حيث تتراجع الحركة في الأزقة والأسواق التي كانت تنبض بالحياة في مشهد يترك أثرًا عميقا في نفوس المقدسيين الذين تركوا وحدهم في مشهد حزين فأصبح المقدسيون يعيشون واقعاً متشابكاً من القيود والإجراءات التي تبدو في مجموعها جزءاً من سياسة أوسع تهدف إلى إرهاق المدينة وأهلها، وإعادة تشكيل واقعها الديمغرافي والجغرافي.
ولا تكتمل صورة القدس عند حدود الأسوار والدخول للمسجد الأقصى فالأحياء المقدسية التي تمتد حول البلدة القديمة وتشكل امتدادها الطبيعي – من سلوان والطور والشيخ جراح إلى العيسوية وشعفاط وغيرها – تعيش واقعاً لا يقل صعوبة. فهذه الأحياء، رغم قربها الجغرافي من مركز المدينة التاريخي والمسجد الأقصى، تبدو اليوم وكأنها مفصولة عنه بسياسات تقطع أوصال المدينة وتفرض قيوداً متزايدة على الحركة والبناء والحياة اليومية لسكانها.
لقد عرفت القدس عبر تاريخها مدينة واحدة مترابطة، تتحرك الحياة فيها بين أحيائها وأسوارها وطرقها القديمة دون حواجز تفصل بين مكوناتها. أما اليوم فثمة محاولة واضحة لإعادة تشكيل هذا الواقع، بحيث تبدو المدينة وكأنها مدينة منفصلة، ومساحات لكل منها واقع مختلف عن الآخر.
وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا يحدث كل هذا في القدس؟
الجواب يتجاوز الإجراءات اليومية ليصل إلى المخطط الأشمل الذي تعمل عليه الحكومات الإسرائيلية منذ عقود، وهو ما يُعرف في الأدبيات السياسية الإسرائيلية بمشروع القدس الكبرى. يقوم هذا المشروع على توسيع حدود المدينة وربطها بسلسلة من المستوطنات المقامة حولها، بما يغيّر ميزانها الديمغرافي ويحوّل القدس إلى مركز حضري واسع يخضع بالكامل للسيطرة الإسرائيلية، بينما يجري في المقابل تقليص الحضور الفلسطيني داخلها. قد يصل الى طرد سكان القدس او حتى تطفيشهم وتضيق الحياة عليهم لدفعهم لمغادرتها
وفي هذا السياق يمكن قراءة كثير من السياسات المفروضة اليوم على المقدسيين: من القيود على البناء في الأحياء العربية وسياسات الهدم الممنهجة للبيوت، إلى العزل الجغرافي لبعض المناطق، إلى محاولات فصل أحياء كاملة عن مركز المدينة. فهذه الإجراءات، رغم تباين أشكالها، تشكل في مجموعها منظومة تهدف إلى إعادة رسم الخريطة الديمغرافية والجغرافية للقدس بما يخدم مشروع التهويد والسيطرة الكاملة عليها.
ولعل أخطر ما تواجهه المدينة اليوم لا يتمثل فقط في الإجراءات الظاهرة من تضييق وحواجز، بل في سياسة أعمق تقوم على تفريغ القدس تدريجياً من سكانها الأصليين. فالأمر لا يحدث دائماً عبر قرارات صاخبة أو خطوات مفاجئة، بل عبر تراكم طويل من الضغوط اليومية التي تجعل الحياة في المدينة أكثر صعوبة وتعقيداً. غير أن هذا الواقع في القدس لا يمكن فهمه بمعزل عن تاريخ المدينة وتجربة أهلها الطويلة في مواجهة هذه السياسات. فقد شهدت القدس عبر أكثر من قرن سلسلة متواصلة من أشكال النضال الشعبي دفاعاً عن المدينة وهويتها، وهي التجربة التي حاولت توثيق جانب منها في كتابي الذي صدر مؤخراً بعنوان «مسيرة النضال الشعبي في القدس العاصمة 1917–2025»، حيث يظهر بوضوح كيف حافظ المقدسيون عبر الأجيال على حضورهم في مدينتهم رغم كل ما تعرضوا له من سياسات الإقصاء والتضييق ومحاولات تغيير هوية القدس.
فهذا التاريخ الطويل يبين أن صمود المقدسيين لم يكن مجرد رد فعل على أحداث طارئة، بل كان خياراً ثابتاً لحماية المدينة والحفاظ على طابعها العربي والتاريخي. ولهذا فإن ما تشهده القدس اليوم ليس مجرد صراع على الأرض، بل معركة على بقاء الإنسان المقدسي في مدينته. وفي قلب هذه المعادلة يبقى صمود أهل القدس العامل الحاسم في حماية هوية المدينة وذاكرتها، مهما اشتدت الضغوط وتبدلت السياسات.
فالقدس كما أثبت تاريخها الطويل، ليست مدينة سهلة الانكسار؛ فهي مدينة تعرف كيف تحافظ على روحها، ويعرف أهلها كيف يتمسكون بها جيلاً بعد جيل.
باحثة ومؤرخة مقدسية




تعليقات