top of page

د. نائلة الوعري: الهستدروت: دور المؤسسة العمالية في بناء المشروع الصهيوني في فلسطين

1 سبتمبر
4 دقيقة قراءة

د. نائلة الوعري

يظهر اسم «الهستدروت» بين حين وآخر في الأخبار القادمة من إسرائيل، ولا سيما عندما يدعو إلى إضراب عام أو يدخل في مواجهة مع حكومة بنيامين نتنياهو. ويتكرر الاسم في وسائل الإعلام غالبًا من دون تعريف كافٍ بطبيعة هذه المؤسسة أو بتاريخها، فيبدو للقارئ كأنه مجرد اتحاد نقابي يدافع عن حقوق العمال، شأنه شأن الاتحادات العمالية في دول العالم.

غير أن العودة إلى تاريخ الهستدروت تكشف أن دوره تجاوز، منذ تأسيسه، حدود العمل النقابي؛ فقد كان إحدى المؤسسات الأساسية التي أسهمت في بناء المجتمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، وفي إنشاء بنيته الاقتصادية والاجتماعية والتنظيمية قبل قيام دولة إسرائيل سنة 1948.

كنت قد كتبت قبل نحو عشر سنوات تعريفًا مختصرًا بهذه المؤسسة، مدفوعة بظهور اسمها في الأخبار آنذاك. واليوم أعود إلى الموضوع، لا لإعادة نشر ما كُتب سابقًا، بل لمراجعته وتوسيعه في ضوء قراءة أكثر نضجًا لدور المؤسسات الصهيونية في بناء المشروع الاستيطاني في فلسطين.

ما معنى «الهستدروت»؟

«الهستدروت» كلمة عبرية تعني «الاتحاد» أو «التنظيم»، وليست اختصارًا كما يعتقد بعضهم. وهي الاسم المتداول للمؤسسة التي حملت عند تأسيسها اسم «الاتحاد العام للعمال العبريين في أرض إسرائيل»، وفق التسمية الصهيونية.

تأسست الهستدروت في مدينة حيفا في ديسمبر/كانون الأول سنة 1920، خلال السنوات الأولى من الانتداب البريطاني على فلسطين، بمشاركة قوى وأحزاب تنتمي إلى التيار الصهيوني العمالي. وكان دافيد بن غوريون، الذي أصبح لاحقًا أول رئيس لحكومة إسرائيل، من أبرز قادتها، وتولى منصب أمينها العام سنة 1921.

ظاهريًا، أُنشئت الهستدروت لتنظيم العمال اليهود ورعاية مصالحهم. لكن أهدافها منذ البداية كانت أوسع من وظيفة النقابات التقليدية؛ إذ عملت على استيعاب المهاجرين اليهود القادمين إلى فلسطين، وتوفير فرص العمل والسكن والعلاج والتعليم والخدمات الاجتماعية لهم، وربطهم بالمؤسسات الصهيونية وبمشروع الاستيطان.

لم تكن الهستدروت، إذن، نقابة نشأت بصورة طبيعية داخل مجتمع قائم، بل كانت جزءًا من عملية بناء مجتمع استيطاني جديد وموازٍ للمجتمع الفلسطيني صاحب البلاد.

(العمل العبري) وإقصاء العامل الفلسطيني

من أهم السياسات التي تبنتها الهستدروت ما عُرف باسم «العمل العبري»، أو ما أطلقت عليه الأدبيات الصهيونية «احتلال العمل». وقامت هذه السياسة على تشغيل العمال اليهود، وإحلالهم محل العمال العرب الفلسطينيين في المزارع والمصانع والمشروعات التي امتلكتها المؤسسات الصهيونية.

لم يكن الهدف تحسين شروط العمل لجميع العمال في فلسطين، ولا بناء تضامن نقابي بين العرب واليهود، بل تكوين سوق عمل يهودية منفصلة، تكون قادرة على استيعاب المهاجرين الجدد وتثبيت وجودهم في البلاد. ولهذا مورست ضغوط على أصحاب المشروعات والمزارع اليهودية للاستغناء عن العمال الفلسطينيين، حتى عندما كانوا أكثر خبرة وأقل كلفة، وتشغيل العمال اليهود بدلًا منهم.

واقترنت سياسة «العمل العبري» بتشجيع شراء المنتجات اليهودية ومقاطعة الإنتاج العربي، بما أسهم في بناء اقتصاد استيطاني منفصل عن الاقتصاد الفلسطيني. وهنا يظهر التناقض الأساسي في طبيعة الهستدروت: فقد رفعت شعارات عمالية، لكنها مارست الإقصاء على أساس قومي، ووضعت العامل الفلسطيني خارج إطار الحماية والتضامن اللذين يُفترض أن تقوم عليهما الحركة النقابية.

مؤسسة تبني اقتصادًا ومجتمعًا

لم تكتفِ الهستدروت بتنظيم العمال، بل أنشأت شبكة واسعة من المؤسسات الاقتصادية والخدمية. فقد شاركت في تأسيس بنك «هبوعليم» سنة 1921، وأنشأت شركات للبناء والأشغال العامة، كان من أبرزها «سوليل بونيه»، إضافة إلى تعاونيات للإنتاج والتسويق الزراعي، من بينها «تنوفا».

وامتد نشاطها إلى الرعاية الصحية من خلال صندوق المرضى، وإلى التعليم والثقافة والإعلام عبر المدارس والنوادي والصحف، ومن أبرزها صحيفة «دافار». كما امتلكت مصانع وشركات نقل ومؤسسات تأمين ومشروعات زراعية، حتى أصبحت واحدة من أكبر جهات التشغيل في المجتمع الاستيطاني.

وبذلك جمعت الهستدروت بين أدوار متداخلة: كانت نقابة تمثل العامل اليهودي، وصاحب عمل يوظفه، ومؤسسة اقتصادية تمول المشروعات، وجهازًا اجتماعيًا يوفر العلاج والسكن والتعليم. وهذه الأدوار لم تكن منفصلة عن الهدف السياسي؛ بل صُممت لبناء مجتمع قادر على إدارة نفسه والاستغناء تدريجيًا عن المجتمع الفلسطيني ومؤسساته.

الهستدروت والتنظيم العسكري

ارتبطت الهستدروت في سنواتها الأولى أيضًا بمنظمة «الهاغاناه»، التي تأسست سنة 1920 بوصفها تنظيمًا عسكريًا صهيونيًا. وخضعت الهاغاناه خلال مرحلة من نشأتها لإشراف التيار الصهيوني العمالي ومؤسساته، ومن بينها الهستدروت، قبل انتقال الإشراف عليها لاحقًا إلى المؤسسات المركزية للحركة الصهيونية والوكالة اليهودية.

وقد شاركت الهاغاناه في حماية المستوطنات ومواجهة المقاومة الفلسطينية، ثم تطورت من مجموعات مسلحة محدودة إلى تنظيم عسكري واسع، شكّل بعد سنة 1948 النواة الأساسية للجيش الإسرائيلي.

وتكشف هذه الصلة بين المؤسسة العمالية والتنظيم العسكري أن المشروع الصهيوني لم يبنِ مؤسساته بصورة متفرقة، بل ضمن منظومة متكاملة: مؤسسة للهجرة، وأخرى للاستيطان وشراء الأراضي، واتحاد لتنظيم العمال والاقتصاد، وتنظيم عسكري لحماية المشروع والتوسع فيه.

أين تقع مسؤولية بريطانيا؟

من الضروري التمييز هنا بين تأسيس الهستدروت وبين الظروف التي سمحت لها بالنمو. فالهستدروت لم تؤسسها الحكومة البريطانية مباشرة، وإنما أنشأتها الحركة الصهيونية العمالية. لكن ذلك لا ينفي المسؤولية التاريخية الكبرى لبريطانيا.

فقد هيأت سلطات الانتداب، المستندة إلى وعد بلفور، البيئة السياسية والقانونية التي مكّنت الحركة الصهيونية من تنظيم الهجرة وبناء مؤسساتها الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية. وفي الوقت الذي نمت فيه هذه المؤسسات واتسع نفوذها، واجهت الحركة الوطنية الفلسطينية القمع والملاحقة، ولا سيما خلال هبّة البراق سنة 1929 والثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939.

لقد تعامل الانتداب البريطاني مع المؤسسات الصهيونية باعتبارها نواة سياسية وتنظيمية قابلة للتطور، بينما حُرم الفلسطينيون من حقهم الطبيعي في الاستقلال وإقامة مؤسساتهم الوطنية السيادية. ولذلك لا يمكن قراءة تاريخ الهستدروت بمعزل عن السياسة البريطانية التي وفّرت للمشروع الصهيوني الوقت والحماية والإمكانات اللازمة لترسيخ وجوده في فلسطين.

دولة أُقيمت قبل إعلانها

تكمن أهمية التعريف بالهستدروت اليوم في أنها تساعدنا على فهم أن إسرائيل لم تظهر فجأة في مايو/أيار 1948. لقد سبقت إعلانها سنوات طويلة من بناء المؤسسات: اقتصاد مستقل، ومصارف وشركات، ونظام صحي وتعليمي، وأجهزة سياسية ،وأمنية وعسكرية.

كانت الهستدروت واحدة من أهم هذه المؤسسات؛ فلم يكن دورها محصورًا في الدفاع عن العامل اليهودي، بل شاركت في تنظيم المجتمع الاستيطاني وتثبيت المهاجرين وإقصاء العامل الفلسطيني وبناء الاقتصاد الذي استندت إليه الدولة بعد إعلان قيامها.

وعندما يظهر اسم الهستدروت اليوم في سياق إضراب أو خلاف مع حكومة إسرائيلية، ينبغي ألا يحجب موقفه من حكومة بعينها حقيقة دوره التاريخي. فالخلاف داخل المجتمع الإسرائيلي حول حكومة أو سياسة محددة لا يعني بالضرورة خلافًا حول أسس المشروع الصهيوني أو الحقوق الفلسطينية.

إن قراءة تاريخ الهستدروت تكشف كيف استُخدمت المؤسسة العمالية أداةً في مشروع استيطاني، وكيف بُنيت الدولة قبل الإعلان عنها، مؤسسة بعد أخرى، تحت مظلة الانتداب البريطاني وعلى حساب الأرض والاقتصاد والإنسان الفلسطيني.

وليس استخدام كلمة «المشروع» هنا أمرًا عابرًا؛ فالمشروع الصهيوني لم يكن حدثًا تلقائيًا، بل خطة بُنيت عبر مؤسسات وأدوات ومراحل متعاقبة. وكل مشروع، مهما امتلك من القوة والدعم، يبقى قابلًا للنجاح أو التعثر والفشل، ولا يتحول بمجرد فرضه بالقوة إلى حقيقة تاريخية نهائية.

أما الولايات المتحدة، فقد تولت بعد ذلك موقع الداعم والحامي الأكبر لإسرائيل. وهكذا تعاقبت القوى الاستعمارية على حماية المشروع، بينما بقي الشعب الفلسطيني يدفع ثمن وعد لم يكن طرفًا فيه، ومشروع أُقيم على أرضه، ومؤسسات نمت من أجل إقصائه وإحلال مجتمع استيطاني مكان مجتمعه.

كاتبة وباحثة فلسطينية/ القدس

 
 
 

تعليقات


bottom of page