د. نائلة الوعري: تاريخ القضية الفلسطينية بين الوثيقة المفقودة ومسؤولية المؤرخ

د. نائلة الوعري
كلما عدتُ إلى دفّات المراجع القديمة، وقلّبتُ صفحات الوثائق التي أنهكها الزمن، وبعضها بات مهترئا عسير القراءة، ازددتُ قناعة بأن كتابة التاريخ ليست مجرد جمع للأخبار والروايات، بل مسؤولية علمية وأخلاقية تقتضي الصبر والتحقق والمقارنة، والتمييز بين الحقيقة التاريخية وما أُلصق بها من تفسيرات وافتراضات.
لقد علّمتني سنوات البحث الطويلة أن الوثيقة، مهما بدت صغيرة أو هامشية، قد تفتح باباً لفهم حدث تاريخي، أو تصحح رواية شاعت بين الناس، أو تكشف جانباً ظل غائب عن الدراسات السابقة. فالمؤرخ لا يبحث عما يؤيد قناعاته فحسب، بل يسعى إلى فهم الماضي من خلال شواهده، حتى وإن قادته إلى نتائج تخالف ما كان يعتقده.
وفي الكتابة عن التاريخ الفلسطيني، تكتسب هذه المسؤولية بُعداً آخر أكثر تعقيداً وأشدٌ ألماً.
فلم تكن نكبة عام 1948 مجرد اقتلاع شعب من أرضه وبيوته وقراه ومدنه، بل رافقها تشتت جانب واسع من ذاكرته المكتوبة والمصوّرة. أوراق ووثائق سفر وشهادات ولادة واوراق ملكية ومكتبات فقدها أصحابها، وصور عائلية لم يتمكنوا من حملها معهم، ووثائق وسجلات هامه انتقلت إلى ايدي المحتلين والى مؤسسات وأرشيفات اسست تحت مسمى “سجلات ووثائق ارض اسرائيل” قبل قيام الدولة.
ولعل ما جرى للمكتبات الفلسطينية الخاصة في غربي القدس عام 1948 مثال واضح على ذلك، فقد جُمعت مجموعات كبيرة من الكتب التي تركها أصحابها الفلسطينيون، ونُقلت إلى مكتبة الجامعة العبرية، وأصبحت جزءاً من مجموعاتها، وقد تناول الباحث الإسرائيلي “غيش عميت” هذه القضية اعتماداً على الوثائق الأرشيفية، وكشف جوانب من عمليات جمع الكتب ومصيرها بعد ان تمت سرقتها عام 1948!
وهنا لا نتحدث عن فقدان الكتب وحدها، وإنما عن انقطاع الصلة بين الإنسان الفلسطيني الذي صادرت قوات الاحتلال وعصابات الهاجاناة بيته وحياته وممتلكاته وشردته، اضافة الى الوثائق الشخصية فقد وضعت العصابات يدها على قطاع واسع من مستودعات الارشيف وخزائن الملفات والوثائق المتعلقة بالقطاعين العام والخاص وغالبا شملت مستودعاتها ارشيف حافل بتفاصيل حياة الارض والسكان وخرائط الطرق وأسماء الشوارع العربية وكثير من الوثائق المقروءة والمسموعة والمرئية كارشيف الاذاعة الفلسطينية والبنوك والبلديات والمحاكم النظامية والشرعية والطابو وغيرها وتم نقلها الى دار الارشيف والتي تعرف اليوم باسم “المكتبه الوطنية” والتي حظرت في ذلك الحين الباحثين والكتاب والطلاب الاطلاع عليها.
اما بعد احتلال شرقي القدس عام 1967 حدثت تحولات عميقة في المصادرة والسطو طالت مؤسساتها العلمية والدينية وحياتها الثقافية، وبرز لنا أهمية تتبع مصير سجلات المؤسسات المقدسية، ووثائق الأوقاف والمحاكم والمدارس والجمعيات، وما بقي منها محفوظاً، وما تشتت أو تعذر الوصول إليه. فقد هم بعض الباحثين المقدسيين البحث وإحصاء ما فقد فليس كل غياب للوثيقة دليلاً على إتلافها أو مصادرتها، وإنما يقتضي الأمر البحث في ظروف فقدانها ومكان حفظها ومآلها.
ولم تتوقف خسارة الذاكرة الفلسطينية عند النكبة، ولا عند ما شهدته القدس بعد عام 1967، بل امتدت عبر العقود وصولًا إلى الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023، حيث طال الدمار التام الحجر قبل البشر وتم تدمير جامعات ومدارس ومتاحف ومراكز ثقافية ومواقع لحفظ التراث، ومساجد وكنائس وكل ما احتضنته مدينة غزة من شواهد مادية على تاريخ المدينة وحياتها العلمية والثقافية هذا غير استهداف حياة الإنسان الغزي من الباحثين والأساتذة والعلماء والأطباء والمهندسين كم من جامعة ومدرسة ومستشفى دمروا المكتبات ومراكز البحث العلمي، بما فيها من كتب ومراجع ووثائق المحاكم الشرعية كل هذه الوثائق شاهده علي جرائم الاحتلال التي لا زالت مستمره في غزة.
وهكذا تتجدد أمام الباحث الفلسطيني أسئلة لم تغب عنه منذ عقود: كيف نكتب تاريخ شعب تعرضت مصادر ذاكرته للفقد والتدمير والتشتت؟ وكيف نعيد بناء الوقائع حين تغيب مصادره
إن الدفاع عن التاريخ الفلسطيني الفلسطيني المكتوب في السجلات والوثائق لا يتحقق بالسكوت عن كل هذه الجرائم، بل يحتاج إلى جهد علمي متواصل، ليحفظ ما تبقى من الوثائق، ويبحث عما فُقد منها، ويعيد قراءة ما توفر من مصادر بعين نقدية واعية.
إن صون الذاكرة الفلسطينية ليس مجرد حنين إلى ماضِ انقضى، بل دفاع عن حق شعب في أن يُروى تاريخه استناداً إلى مصادره وحقوقه التي سلبوها منه في حروب مدمرة مستمرة وسطو ِ على كل مقدراته.
فما وظيفة الباحث والمؤرخ بعد كل هذه الحروب، وبعد ما تعرّض له التاريخ من سرقة وسلب، وما لحق بسجلاته ووثائقه من فقدٍ وتدمير.
وظيفته أن يواصل البحث، وأن يحفظ ما بقي من الذاكرة والتاريخ الفلسطيني المسلوب ويعيد بناء ما أمكن من الوقائع بقدر ما تتيحه ما بقي لديه من سجلات ووثائق ومصادر يستطيع الوصول اليها، وأن يكتب بأمانة، فلا يترك الرواية للغلبة، ولا يجعل غياب الوثيقة او صعوبة الوصول لها ذريعة لمحو ما عاشه الناس وشهدوه، فالتوثيق، في هذه الظروف، ليس استعادةً للماضي فحسب؛ بل مسؤوليةٌ تجاه الذاكرة وحق الأجيال في معرفة تاريخهم.
باحثه في تاريخ فلسطين الحديث والمعاصر



تعليقات