top of page

سقوط وهم الحسم الجغرافي والديمغرافي: فلسطين ما زالت عامرة بأهلها الأصليين

27 سبتمبر
3 دقيقة قراءة



نائلة الوعري

لا تُقرأ أعداد السكان في فلسطين بوصفها أرقام جامدة، ولا باعتبارها سباق ديمغرافي مجرد؛ فهي تختصر تاريخاً طويلاً من الهجرة المنظمة والاستيطان والاقتلاع والتهجير، الذي بدأ منذ مطلع القرن التاسع عشر

تشير التقديرات التاريخية والسجلات السكانية العثمانية، وما أوردته الدراسات المتخصصة في تاريخ الهجرة والاستيطان اليهودي، وبعض المؤلفات التي تناولت تاريخ هجرة اليهود إلى فلسطين

إلى أن عدد اليهود في فلسطين لم يتجاوز خمسة إلى سبعة آلاف نسمة في مطلع القرن التاسع عشر، ثم ارتفع إلى نحو أربعة عشر ألفًا في سبعينيات ذلك القرن. وقبيل الحرب العالمية الأولى بلغ، وفق التقديرات الأكثر تحفظًا، نحو ستين ألفاً، وانخفض خلال سنوات الحرب ليصل إلى قرابة ستة وخمسين ألفاً عام 1918، نتيجة المغادرة والترحيل والظروف التي فرضتها الحرب.

أما التعداد البريطاني الرسمي والمشجع الاول للهجرة اليهودية لعام 1922، فقد سجل 83,794 يهوديا من مختلف الجنسيات وأماكن معيشتهم قبل الرحيل من مجموع سكان فلسطين البالغ نحو 757 ألف نسمة، بما يؤكد أن أهل البلاد العرب، من مسلمين ومسيحيين، كانوا يشكلون أغلبيتها الساحقة. غير أن الهجرة اليهودية المنظمة والمتسارعة في ظل الانتداب البريطاني رفعت العدد إلى أكثر من ستمائة ألف في منتصف أربعينيات القرن العشرين، ثم إلى نحو 650 ألف عشية نكبة عام 1948، في مقابل نحو مليون وأربعمائة ألف فلسطيني كانوا يعيشون في مدن فلسطين وقراها.

لم يكن هذا التحول السكاني نتيجة نمو طبيعي عادي، بل جاء في سياق مشروع استعماري استيطاني حظي بالرعاية السياسية والحماية العسكرية، واستند إلى الهجرة المنظمة والاستيلاء على الأرض واقتلاع السكان الأصليين وإحلال جماعات مهاجرة مكانهم. ثم جاءت النكبة، بما رافقها من تدمير مئات القرى والمدن وتهجير الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني، لتحدث انقلاباً قسرياً في الخريطة السكانية للبلاد.

ومع ذلك، لم يختف الفلسطينيون اصحاب الارض ولم يتحولوا إلى مجرد ذكرى أو أقلية عابرة في وطنهم. ووفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ودائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، بلغ عدد اليهود في فلسطين التاريخية في نهاية عام 2015 نحو 6.33 ملايين، مقابل نحو 6.22 ملايين فلسطيني. وكانت التقديرات آنذاك تشير إلى أن عدد الفلسطينيين سيعادل عدد اليهود خلال عامي 2016 و2017.

واليوم تكشف أحدث الأرقام المتاحة أن عدد الفلسطينيين المقيمين فوق أرض فلسطين التاريخية بلغ نحو 7.4 ملايين نسمة في نهاية عام 2025، في مقابل نحو 7.3 ملايين يهودي في مطلع عام 2026. وبذلك تحقق التعادل الديمغرافي، بل تشير التقديرات الحالية إلى تفوق فلسطيني طفيف.

هنا يجب ان أنبه إلى أن الرقم الإسرائيلي المنشور في سبتمبر/أيلول 2026، والذي يشير ان عدد السكان الاسرائيلين يبلغ 7.828 ملايين نسمة، لا يمثل عدد اليهود وحدهم، بل يشمل الفئة الإحصائية التي تاتي تحت مسمى “اليهود وآخرون ” والتي تضم أيضاً المسيحيين غير العرب وأتباع ديانات أخرى وغير المصنفين دينياً ولذلك يبقى الرقم الأقرب إلى عدد اليهود وحدهم نحو 7.3 ملايين نسمة.

وتبدو هذه الأرقام أكثر وضوحاً في القدس، قلب الصراع وموضع الاستهداف المتواصل. فوفق أحدث بيانات دائرة الإحصاء الإسرائيلية ومعهد القدس لبحث السياسات، بلغ عدد سكان المدينة، ضمن الحدود البلدية التي وسعتها سلطات الاحتلال بعد عام 1967، نحو مليون وثلاثة وستين ألف نسمة. ويشكل الفلسطينيون فيها قرابة 38.4 في المئة منهم، أي نحو 408 آلاف مقدسي فلسطيني. أما فئة “اليهود وآخرين” فتبلغ نحو 56.6 في المئة، فيما يشكل الأجانب النسبة المتبقية.

هذه الأرقام تخص المدينة ضمن حدودها الإسرائيلية الموسعة، التي ضمت أراضي وقرى فلسطينية واسعة بعد احتلال القدس الشرقية. أما في القدس الشرقية المحتلة نفسها، فما زال الفلسطينيون يشكلون غالبية السكان، على الرغم من الاستيطان، وسحب الهويات، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي، والتضييق على البناء، ومحاولات دفع المقدسيين إلى مغادرة مدينتهم.

وهنا تكمن المفارقة التاريخية: فبعد أكثر من قرن من الهجرة والاستيطان والاقتلاع، وبعد نكبة واحتلال وحروب متعاقبة، بقي الفلسطينيون، سكان البلاد الأصليون، فوق أرضهم يعادلون عدد اليهود، بل يتجاوزونهم قليلًا. وهذا يعني أن المشروع الاستعماري الاستيطاني، على الرغم مما امتلكه من قوة ودعم وسياسات إحلال، لم ينجح في إلغاء الوجود الفلسطيني أو حسم المعركة الديمغرافية.

غير أن الحق الفلسطيني لا يستمد مشروعيته من التفوق العددي، ولا يسقط إذا تغيرت الأرقام؛ فهو حق أصيل يقوم على الأرض والتاريخ والملكية والذاكرة واستمرار الوجود. وما تضيفه الأرقام هو أنها تكشف فشل مشروع الاقتلاع في تحقيق غايته النهائية: أرض فلسطينية تُفرغ من شعبها.

لقد بقي الفلسطيني في القدس والجليل والمثلث والنقب والضفة الغربية وقطاع غزة شاهداً حياً على هوية البلاد. ولذلك ليست المعركة على القدس وفلسطين معركة حجارة وآثار وأماكن مقدسة وحدها، بل هي، قبل كل شيء، معركة على الإنسان الفلسطيني وحقه في البقاء.فوق ارضة وارض اجداده

فلسطين ما زالت عامرة بأهلها، والوجود الفلسطيني فوق أرضها ليس رقماً عابراً ، بل حقيقة تاريخية وإنسانية لم تستطع النكبة ولا سنوات الاحتلال الطويلة محوها.

المصادر والمراجع الإحصائية

حكومة فلسطين، “تعداد فلسطين لعام 1922”

القدس، 1923.

الأمم المتحدة، “قضية فلسطين: تاريخ موجز” ووثائق لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطينUNSCOP»، 1947.

الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، «الفلسطينيون في نهاية عام 2025»، رام الله، ديسمبر/كانون الأول 2025.

دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، « إسرائيل بالأرقام: بيانات مختارة لعام 2026 » سبتمبر/أيلول 2026.

دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، بيانات عدد اليهود في العالم وتوزيعهم الجغرافي، مطلع عام 2026.

معهد القدس لبحث السياسات، «الكتاب الإحصائي السنوي للقدس» و«القدس: حقائق واتجاهات»، أحدث البيانات المتاحة لعام 2026.

نائلة الوعري، «دور القنصليات الأجنبية في الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين 1840–1914»، دار الشروق، عمّان، 2007.

كاتبة وباحثة فلسطينية

 
 
 

تعليقات


bottom of page