نائلة الوعري: كتابة التاريخ الفلسطيني في السرد الروائي مشروع «الملهاة الفلسطينية».. إبراهيم نصر الله نموذجًا
- 12 فبراير
- 3 دقيقة قراءة

نائلة الوعري
لا تُختزل كتابة التاريخ في الوثيقة الرسمية، ولا في منهج التحقيق الأرشيفي وحده، وإن بقي هذا المنهج شرطًا لازماً لضبط المعرفة التاريخية. فالتاريخ، بوصفه دراسة للماضي ومساراته الممتدّة إلى الحاضر، يتشكّل عبر أدوات بحث وتحليل تتفاوت في طبيعتها ووظيفتها. وفي الحالة الفلسطينية تحديداً، حيث تعرّضت الرواية الوطنية لمحاولات طمس وتزييف وإقصاء، لم يعد سؤال ” من يكتب التاريخ؟ “سؤالًا أكاديميًا صرفاً بل غدا سؤالاً سياسياً ومعرفياً يتصل بإعادة تثبيت الحضور التاريخي الفلسطيني عبر مختلف الحقب.
لا يُقصد بالتاريخ الفلسطيني مجرد تسلسل الأحداث المرتبطة بالصراع منذ نشأته ، ولا اختزاله في محطات مفصلية منذ وعد بلفور 1917 والنكبة 1948 أو النكسة 1967، وما جرى بعدها من أحداث ، بل يُفهم بوصفه مساراً تاريخيًا متصلًا لمجتمع عاش تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية متراكمة. وهو تاريخ شهد تحوّلات قسرية عميقة أعادت تشكيل المجتمع الفلسطيني وبنيته ومساراته. وقد أفرزت هذه التحولات فضاءات جديدة، مثل المخيمات، التي لم تكن مجرد مأوى مؤقت، بل تحولت إلى بنية اجتماعية وسياسية شكّلت مادة مركزية في كتابة التاريخ الفلسطيني، سواء في دراساته السياسية أو في التاريخ الشفوي والقصص والحكايات التي حفظت الذاكرة الجماعية ونقلتها بين الأجيال. من هنا تبرز أهمية مقاربة “كتابة التاريخ الفلسطيني في السرد الروائي ” فالرواية لا تُثبت الحدث وفق أدوات المؤرخ، او الكاتب الاكاديمي او القاص والروائي لكنها تعيد تمثيله داخل تجربة إنسانية حيّة. المؤرخ يُخضع الوثيقة للنقد والتحقيق والمقارنة، ويسعى إلى ضبط الوقائع وتسلسلها السببي، أما الروائي فيُخضع المادة التاريخية لرؤية فنية واحداث قد تكون حقيقية تمنحها معنى وعمقاً إنسانياً . وبين التوثيق والسرد مساحة معرفية متمايزة، لا تلغي أحدهما الآخر، بل تكشف تكاملهما.
يشكّل مشروع “الملهاة الفلسطينية ” للكاتب والروائي إبراهيم نصر الله أحد أبرز المشاريع السردية العربية المعاصرة في مقاربة التاريخ. هذا المشروع يتكوّن من سلسلة روايات مستقلة مترابطة تغطي مراحل متعددة من التاريخ الفلسطيني، من ما قبل التحولات الحديثة إلى الحاضر المعاصر، ولا يقتصر على إعادة سرد الأحداث الكبرى، بل يتتبّع تحولات المجتمع الفلسطيني عبر الأجيال، بما يمنحه طابعاً ملحمياً واضحاً .
في رواية “قناديل ملك الجليل ” يعود السرد التاريخي الى ذروة ملحمية يرفع بها إبراهيم نصرالله مشروعه الروائي، ومشروع الملهاة الفلسطينية بشكل خاص، إلى موقع متميز، وهو يكتب ملحمة ذلك القائد (ظاهر العُمَر الزّيداني) الذي ثار على الحكم التركي وسعيه لإقامة أول كيان سياسي وطني قومي حديث في فلسطين، وأول كيان قومي في الشرق العربي. هذا القائد الذي امتدت حدود (دولته) من فلسطين إلى كثير من المناطق خارجها. هذه الرواية تعبر التاريخ السردي بشخصيات حقيقية وأخرى من خيال الكاتب ، متنقلة بين فلسطين وسورية والأردن ومصر ولبنان وإسطنبول، هذه الرواية تمزج التاريخ بالقيم الكبرى معيدة الاعتبار لتاريخ النضال الوطني الفلسطيني من خلال شخصية تاريخية حقيقية تجلت به صفات عديدة ،تتمثل في قيم العدل والحق في التحرر والحياة، والتسامح الديني والنبل الأخلاقي
أما في “زمن الخيول البيضاء ضمن مشروع الملهاة الفلسطينية ” فتقرأ رواية في أواخر الفترة العثمانية وبدايات الانتداب البريطاني من داخل القرية والعائلة والأرض، حيث يظهر التحول السياسي كتغير في علاقة الإنسان بمكانه وبنيته الاجتماعية، وتبرز النكبة كفعل اقتلاع قسري؛ فهي ليست مجرد محطة في السرد التاريخي ، بل نقطة تحوّل أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والأرض والسلطة. وعن هذه الرواية أقول كمؤرخة انه لم تحظ رواية من قبل تتحدث عن تأريخ دقيق غاية في الحساسية والتصوير المبدع للوضع الفلسطيني منذ زمن العثمانيين إلى سنة 1948. وتكشف اسبابها التي قادت إلى عذابات الشعب الفلسطيني بعد النكبة كما حظيت هذه الرواية
وفي رواية أعراس آمنة ” و”طفل الممحاة ” ينتقل السرد إلى الحاضر المعاصر، حيث يتحول الاحتلال إلى بنية يومية، ويغدو المحو محو الاسم والهوية والذاكرة فعلًا تاريخيًا ، ففي رواية أعراس آمنة يكتب التاريخ وتسرد الاحداث وكأنها تقع اليوم ، مسرح احداث القصة في مدينة غزة وكانه اليوم مستمرًا.
هنا لا يكتب السرد الماضي فقط، بل يلتقط التاريخ وهو يتشكل في الزمن الراهن. ومن هذا المنظور يمكن قراءة “الملهاة الفلسطينية” إلى جانب مشروع “الشرفات” روايات “شرفة الهاوية” .” شرفة رجل” الثلج ، “شرفة الفردوس” بوصف هذا المشروع جزءاً من رؤية سردية أوسع اشتغلت على التاريخ بوصفه حياة معاشة لا وقائع جامدة. ففي السياق الفلسطيني، حيث المعركة على الرواية لا تقل عن المعركة على الأرض، يصبح تعدد أدوات كتابة التاريخ ضرورة معرفية. فالمؤرخ، والروائي، والشاعر، والفنان، يسهمون كلُ من موقعه وأدواته في صيانة الذاكرة، وحماية الحضور التاريخي. من الإلغاء. فالتاريخ، في نهاية المطاف، ليس فقط ما حدث، بل ما يُصان من النسيان
واقتبس مما قاله: إبراهيم نصر الله في ” رواية أعراس أمنة ” كان يلزمنا قلوب أكبر لتتسع لكل هذا الأسى “
وأنا أقول : كان يلزمنا وقتاً أكبر لنتابع كل ما كتبت”
باحث في تاريخ فلسطين




تعليقات