top of page

د. نائلة الوعري: عودة الأونروا: ضرورة إنسانية وحقّ غير قابل للشطب

  • صورة الكاتب: O2 graphic
    O2 graphic
  • قبل 13 دقيقة
  • 3 دقيقة قراءة

د. نائلة الوعري

في عام 1948، لم تُنشأ وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لأن العالم كان كريمًا، بل لأن جريمة وقعت ولم تُحاسَب. جاءت الوكالة آنذاك اعترافًا دوليًا متأخرًا بنكبة أصابت شعبا كاملا بالتهجير القسري، ومحاولة لإدارة نتائجها لا لمعالجة أسبابها. ومنذ ذلك الحين، ظل وجود الأونروا شاهدًا حيًا على أن قضية اللاجئين الفلسطينيين لم تُحل، وأن ما جرى عام 1948 لم يكن حدثاً عابراً في التاريخ، بل جرحًا مفتوحًا تتفاقم آثاره حتى اليوم.

من هذا المنطلق، لا يمكن فهم استهداف الأونروا في المرحلة الأخيرة بوصفه إجراءً إدارياً عابرًا، أو خلافًا تقنيًا حول التمويل وآليات العمل، كما حاولت بعض الأطراف تصويره. فالمسألة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها جزء من مسار سياسي يسعى إلى تفريغ قضية اللاجئين الفلسطينيين من مضمونها القانوني والتاريخي، وتحويلها إلى أزمة إنسانية مؤقتة قابلة للإدارة أو الاحتواء أو حتى التجاهل مع مرور الوقت.

تأسست الأونروا بقرار أممي صريح لتكون إطارًا قانونياً وسياسياً يعترف بوجود قضية لاجئين لم تُحل، وبحقوق لا تزال معلّقة ومفتوحة على الزمن. لذلك، لم تكن الوكالة يوماً مجرد مؤسسة إغاثية تقدم مساعدات غذائية أو تدير مدارس وعيادات، بل شكّلت إحدى ركائز الاعتراف الدولي باستمرارية النكبة. ومن هنا، فإن أي محاولة لتهميشها أو تعطيل عملها لا تستهدف مؤسسة بعينها، بل تضرب جوهر هذا الاعتراف نفسه.

وعبر عقود طويلة، أدّت الأونروا دور الشاهد الدولي على النكبة وتداعياتها المتواصلة. فوجودها الميداني، وسجلاتها، وملفاتها، وأرشيفها، وشبكات خدماتها، شكّل دليلا ًحياً على أن مأساة عام 1948 لم تُغلق، ولم تُطوَ صفحتها، ولم تجد طريقها إلى العدالة. ولهذا السبب تحديدًا، تحوّلت الأونروا إلى هدف مباشر لكل المشاريع السياسية التي سعت، ولا تزال، إلى تصفية قضية اللاجئين عبر شطب مرجعيتها الدولية.

وقد جاءت الحرب الأخيرة على غزة لتفضح هشاشة الخطاب الذي روّج لفكرة “البدائل”. فعندما جرى التشكيك بدور الأونروا ومحاصرتها ماليًا وسياسيًا، لم يظهر أي كيان دولي أو إقليمي قادر على ملء الفراغ الذي خلّفه هذا الاستهداف. بل تبيّن سريعًا أن غياب الأونروا يعني انهيارًا شبه كامل لمنظومات التعليم والصحة والإغاثة، وترك مئات الآلاف من اللاجئين بلا مظلة مؤسسية تحمي الحد الأدنى من حياتهم وكرامتهم. ولم يكن هذا الانكشاف نتيجة تقارير أممية أو بيانات سياسية فقط، بل ظهر بوضوح في الواقع اليومي للناس، وفي شهادات اللاجئين أنفسهم، الذين وجدوا أن المؤسسة التي حاول البعض شيطنتها هي في الحقيقة شريان حياتهم في ظل حرب مفتوحة وحصار خانق. وهنا تحديدًا، انقلب السحر على الساحر، إذ أعادت محاولات تعطيل الأونروا تسليط الضوء على مركزية دورها، بدل أن تنجح في تهميشه أو القفز فوقه.

إن الحديث اليوم عن ضرورة عودة الأونروا لا يقتصر على استئناف خدماتها الإنسانية، بل يتجاوز ذلك إلى السماح لها باستعادة دورها الكامل في غزة والضفة الغربية، وإعادة فتح مكاتبها ومقراتها، واستعادة ملفاتها وأرشيفها، وضمان دخول سلس وغير معاق لموظفيها ومساعداتها. فهذه المقرات ليست أبنية إدارية محايدة، بل خزائن لذاكرة جماعية فلسطينية، وسجلات قانونية للجوء والتهجير، وشواهد مادية على جريمة تاريخية لم تُحاسَب.

كما أن عرقلة عمل الأونروا أو تقييد حركتها لا يمكن فصلها عن محاولات أوسع لإعادة تعريف القضية الفلسطينية بوصفها مسألة إغاثية بحتة، لا قضية حقوق وسيادة وعدالة. فحين يُختزل اللاجئ في حاجته للطعام والدواء فقط، يُسحب منه حقه في العودة والاعتراف والإنصاف، وتُفرغ النكبة من معناها السياسي والأخلاقي، في وقت يستمر فيه الظلم واستهداف الشعب الفلسطيني وتجريده من حقوقه منذ نكبة 1948 وحتى اليوم

وعلى امتداد ما يقارب قرناً من الزمن منذ عام 1948، شكّلت الأونروا شريان حياة للاجئين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية وبلدان اللجوء الأخرى. ولم يكن هذا الدور فعل إحسان أو مبادرة طوعية، بل جزءاً من تكليف دولي يفترض أن يستمر إلى حين إيجاد حل عادل ودائم لقضية اللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية. أما الدعوات إلى إنهاء دورها أو تقليصه دون تحقيق هذا الحل، فليست سوى محاولة لطيّ الملف بالقوة، واغلاقه الى الابد

وقد تعزّز هذا الفهم في الأسابيع الأخيرة مع عودة عدد من الدول الأوروبية إلى التأكيد العلني على دعمها للأونروا وضرورة استمرار عملها. فقد شددت عواصم أوروبية عدة على أن الوكالة لا تملك بديلًا عمليًا أو قانونيًا في تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين، وأن أي مساس بدورها سيؤدي إلى تفاقم الكارثة الإنسانية وعدم الاستقرار الإقليمي. كما أعادت هذه الدول التأكيد على التزامها بتمويل الأونروا واستمرار تفويضها الأممي، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من منظومة القانون الدولي المرتبطة بقضية اللاجئين، لا مجرد أداة إغاثة ظرفية.

اليوم، لم يعد تعطيل الأونروا مسألة إدارية أو خلافاً سياسياً، بل بات سؤال اتهام سياسي وأخلاقي. فمحاصرة الوكالة، أو عرقلة عودتها إلى غزة والضفة الغربية، أو تقييد حركتها هو اعتداء على ما بقي للشعب الفلسطيني من حق الحياة والبقاء فوق ارضه وإلغاء حقة الطبيعي في العيش وهذا هدف سياسي وليس اجراء اداري .

باحثة في الشأن الفلسطيني

 
 
 

تعليقات


bottom of page