top of page

د. نائلة الوعري: في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة: النكبة المستمرة وتحوّلات المشروع السياسي في فلسطين

  • قبل 4 أيام
  • 3 دقيقة قراءة

د. نائلة الوعري

تمرّ الذكرى الثامنة والسبعون لـ النكبة، فيما تبدو فلسطين وكأنها ما تزال تعيش داخل اللحظة ذاتها، وإن تبدّلت الأسماء وتغيّرت الأدوات. فالنكبة لم تكن حدثًا عابرًا انتهى بقيام إسرائيل عام 1948، بل مشروعًا سياسيًا متواصلًا امتدّ عبر العقود، وتحوّل من التهجير والاقتلاع إلى الاحتلال والاستيطان والحصار وإعادة تشكيل المكان والجغرافيا والهوية الفلسطينية.

لم يكن وعد بلفور مجرد رسالة سياسية عابرة، بل مؤامرة وإعلاناً مبكراً عن تبنّي بريطانيا للمشروع الصهيوني في فلسطين. فمنحت القوة الاستعمارية الكبرى آنذاك وعدًا بإقامة “وطن قومي لليهود” على أرضٍ يسكنها شعبٌ عربي فلسطيني متجذر بتاريخ طويل وحضور إنساني وحضاري متواصل. ومنذ تلك اللحظة، بدأت عملية إعادة هندسة فلسطين سياسيًا وديموغرافياً بما يخدم هذا المشروع الاستيطاني الاستعماري الإحلالي لليهود .

وخلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، لم تكتفِ بريطانيا بإدارة فلسطين، بل عملت بصورة منهجية على تهيئة الظروف لقيام الكيان الصهيوني؛ فُتحت أبواب الهجرة اليهودية المنظمة، عبر سفرائها وقناصلها في إسطنبول والقدس وأُنشئت المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والإدارية التي تحولت لاحقًا إلى أعمدة الدولة الإسرائيلية، ومنها تاسيس جيش الهاجاناه وتدريبه في مقابل إضعاف البنية السياسية الفلسطينية وقمع الحركة الوطنية والثورات الشعبية، خاصة الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936.

لقد أدركت بريطانيا مبكراً أن إقامة مشروع استيطاني ناجح في فلسطين يحتاج إلى خلق اختلالٍ تدريجي في ميزان القوى على الأرض، وإلى تفكيك المجتمع الفلسطيني سياسياً واقتصادياً بحيث يصل الفلسطيني إلى لحظة المواجهة وما تبع ذلك من تهجير وتشتيت واقتلاع من ارضه ،بينما تكون الحركة الصهيونية قد امتلكت أدوات التنظيم والقوة والدعم الدولي.

ومع اقتراب نهاية الانتداب البريطاني، 1948 لم يكن المشهد يتجه نحو “حل عادل” بقدر ما كان يُدار ضمن ترتيبات دولية جديدة. فحين أُحيلت القضية إلى الأمم المتحدة، صدر قرار تقسيم فلسطين في ظل اختلال واضح في موازين القوى الدولية، لتدخل فلسطين بعدها مرحلة الانفجار الكبير عام 1948، بما حملته من تهجير جماعي وتدمير مئات القرى والمدن الفلسطينية.

لكن النكبة لم تتوقف عند حدود عام 1948، بل استمرت بأسماء ومراحل مختلفة؛ من احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، إلى التوسع الاستيطاني المتواصل، وتهويد القدس، وإعلانها عاصمة لإسرائيل، ومحاولات فرض وقائع سياسية وديمغرافية جديدة، وصولًا إلى الحصار والحروب المتكررة، وإعادة إنتاج الصراع بأدوات أكثر قسوة وتعقيدًا.

ولعلّ أخطر ما رافق استمرار النكبة خلال العقود الأخيرة، هو التوسع الاستيطاني المنهجي الذي لم يقتصر على بناء المستوطنات فحسب، بل تجاوز ذلك إلى إعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية نفسها. فقد تحولت الضفة الغربية إلى مساحات ممزقة بالحواجز والطرق الالتفافية والبؤر الاستيطانية، في محاولة لفرض واقع يجعل أي حديث عن دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا أمراً بالغ الصعوبة.

أما القدس، فكانت في قلب هذا المشروع؛ إذ لم يتوقف الأمر عند احتلالها عام 1967، بل امتد إلى سياسة تهويد متواصلة، شملت مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وعزل المدينة عن محيطها الفلسطيني، وطرد سكانها والتضييق عليهم وسحب هوايتهم وصولا إلى قرار إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، في محاولة لفرض أمر واقع سياسي وتاريخي جديد.

وبهذا المعنى، لم تعد النكبة مجرد تهجيرٍ لشعبٍ من أرضه، بل تحولت إلى عملية مستمرة لإعادة تشكيل المكان نفسه، وتغيير هويته وحدوده وسكانه، بما يخدم مشروعًا استيطانيًا طويل الأمد.

وفي موازاة ذلك، شهد العالم انتقال مركز النفوذ في الملف الفلسطيني من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، التي تحولت تدريجيًا إلى الراعي السياسي والعسكري الأبرز لإسرائيل. وخصوصا في هذه الفترة التي يحكم العالم رئيس مجنون.

فبعد تراجع الإمبراطورية البريطانية إثر الحرب العالمية الثانية، وجدت واشنطن في إسرائيل حليفًا استراتيجيًا متقدمًا في المنطقة، وبدأت مرحلة جديدة من إدارة الصراع تقوم على تثبيت التفوق الإسرائيلي سياسيًا وعسكريًا، مع إبقاء القضية الفلسطينية ضمن دائرة المفاوضات المفتوحة دون حلول حقيقية.

وبعد مرور ثمانية وسبعين عامًا، تبدو الصورة أكثر وضوحاً : ما جرى في فلسطين لم يكن مجرد نتيجة حرب، بل مشروع دولي متكامل مع تولطئ دولي شاركت في صياغته قوى كبرى، وأُعيد إنتاجه عبر مراحل مختلفة بما يخدم إعادة تشكيل المنطقة وتوازناتها السياسية.بنا يخدم الصهيونية العالمية

ورغم كل ذلك، بقي الفلسطيني حاضراً في أرضه وذاكرته وروايته. فكلما اعتقد العالم أن القضية تراجعت، عادت فلسطين لتفرض نفسها على المشهد من جديد، مؤكدة أن الشعوب قد تُهجَّر، لكنها لا تفقد حقها، ولا تسقط روايتها بالتقادم.

ورغم الاحتلال الغاصب الذي فرض على الفلسطيني التهجير والمنافي والسجون والقتل المتعمد ما يزال الفلسطيني يحمل مفاتيح الذاكرة والأرض معًا، مدركاً أن ما أُخذ بالقوة لا يتحول إلى حق، وأن الزمن لا يُسقط حقوق الشعوب. وما يجري اليوم في غزة والضفة الغربية والقدس يؤكد أن النكبة لم تكن حدثًا انتهى عام 1948، بل مشروعاً استعمارياً احلالياً مستمراً تُعاد صياغته بأدوات جديدة؛ من القتل والتصفيات والحصار والتجويع والحروب، إلى الاستيطان وفرض الوقائع السياسية والجغرافية بالقوة، وسط صمتٍ دولي وعجزٍ عربي يفتحان المجال أمام مزيد من التوسع والاقتلاع ومحاولات تصفية ما تبقى من فلسطين.

مؤرخة وباحثة في الشأن الفلسطيني

 
 
 

تعليقات


bottom of page