top of page

كيف نقرأ زمن الاضطراب دون أن نفقد بوصلتنا؟

  • 10 أبريل
  • 3 دقيقة قراءة


د. نائلة الوعري

بين الخوف والتكهّن، وتدفق الأخبار وتضاربها، يعيش الإنسان حالة من القلق الدائم… فكيف نُبقي على وعينا دون أن نفقد طمأنينتنا، لم يعد الناس ينتظرون ما سيحدث…بل أصبحوا ينشغلون بتوقّعه، وتحليله، بل وبنائه في أذهانهم قبل أن يقع. في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، والحروب لم يعد الخبر او المعلومة هي ما يشغل العقول، بل الخوف مما هو قادم.

نتابع خبراً عن احتمال وقف حرب، فنبدأ بعدّ الساعات، وتحليل المؤشرات، وكأن القرار قد صيغ في عقولنا قبل أن يُعلن. يتقدّم الشك على اليقين، وتتحول الشاشات إلى مساحات مفتوحة للتحليلات والتكهنات والافتراضات حيث يجتهد كل محلل في رسم ما يراه قادماً حسب وجهة نظره وانتمائه ومعتقداته الفكرية. لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل أصبح: ماذا سيحدث؟ هذا التحول لم يأتِ من فراغ. فالتدفق غير المسبوق للأخبار، وتسارع الأزمات، وتضارب الروايات، كلها دفعت الناس إلى محاولة استباق الأحداث. يوميا نترقب وقف الحرب ونترك لأفكارنا مجال للتكهن ومئات الأسئلة تعبر خلال عقولنا. ونترقب وقف الحرب القائمة وفتح المسجد الأقصى الذي طالت مده اغلاقة ل ٤٠ يوماً حرم فيها المقدسيون الصلاة فيه في شهر رمضان المبارك ونبني على كل إشارة أمل وتوقعات، ثم نُفاجأ حين تتبدل القرارات. نصاب بالخذلان ، نحاول أن نفهم، لكننا في كثير من الأحيان ننخرط في دوامة من الاحتمالات، تجعل القلق يسبق الحدث نفسه. لم يعد هذا القلق حكراً على النخب، او المفكرين او المحللين بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية. الإنسان العادي بات يتابع تفاصيل الحرب عبر المحطات والشاشات خصوصاً في الايام الاخيره حين اختبرنا في صبرنا لساعات!! وليله كاملة من الانتظار والقلق ! هل توافق أيران على وقف الحرب وانهاء التهديدات الامريكية بإعادتها في حرب شاملة للعصر الحجري ! وما هي شروط الهدنة وكم منحت من الوقت وهل تستمر الهدنة وهل سيفتح مضيق هرمز؟ واحتمالات فتحه أو إغلاقه، وتأثير ذلك على المنطقة والعالم الذي أصبح معنياً بكل سيناريو محتمل.

كانت ليلة ثقيلة وساعات ترقب مخيفة تداخلت فيه حدود القلق والشك!! ولكنها منحتنا بعض من الارتياح المؤجل وأصبح كل فرد منا بفعل كثافة الاخبار وما يتلقاه عبر الشاشات والميديا محللاً سياسياً، حتى لو لم نكن نملك أدوات فهم تلك السياسة. وربما لم يكن أي منا أي زمنٍ سابق، يملك هذا القدر من الوصول إلى الأخبار، كان يكتفي بالمذياع وتناقل الاخبار شفهيا إما برؤية العين او منقولة من شخص لأخر، لكنه في المقابل لم يكن يحمل هذا القدر من القلق. ومع التقدم التكنلوجي والمعرفي ضاعت الطمأنينة في منتصف الطريق. لم يكن الناس يعدّون الساعات على خبرٍ لم يصدر بعد، ولا يبنون مواقفهم على احتمالات لم تتبلور. أما اليوم، فنعيش القلق والترقب والشك مستبعدين احتمال ما قد لا يحدث أصلاً. لكن هذا الشعور المتراكم بالخوف من القادم أصبح حالة عامة، تتسلل إلى تفاصيل التفكير اليومي، لحياتنا وتُغذيها حالة من الارتياب والشك، وعدم الثقة بكل ما يُقال أو يُعلن. تتضارب الروايات، وتتعدد القراءات، فيجد الإنسان نفسه معلقا بين احتمالات متناقضة، لا يعرف اين تكمن الحقيقة وفي أي منها. وفي خضم هذا الانشغال المستمر بالتوقع والتحليل، تمرّ أحداث جسيمة لا تحتمل التأجيل. يستمر العدو بشنّ الحروب، وتستمر اسرائيل بقصف غزة وتجويع اهلها وقتل شبابها ومراسلين أخبارها وتستهدف الجنوب اللبناني وحزب الله منذ أشهر وبجنون انتقامي تقصف إسرائيل بوحشية قبل يومين بيروت العاصمة وأحياءها السكنية، ويقع المدنيون والأطفال ضحايا هذا الجنون، ونغرق في حزن وترقب ما سيحدث بعد ذلك في مكانا آخر في عالمنا المستهدف

إن الخوف حين يتراكم، والشك حين يتسع، لا يبددان الحقيقة فحسب، بل يبددان القدرة على اتخاذ موقف واضح منها. وحين تتآكل الثقة، يصبح كل خبر محل تساؤل لماذا تحدث كل هذه الحروب على ارضنا ولماذا تدمر غزة ويغلق المسجد الأقصى ولماذا تتطاير الصواريخ فوق رؤوسنا وتقصف عواصمنا العربية والخليجية، وكل هذا يحدث أمام عيوننا وتنقله شاشات التلفزة لنكون شاهدين على عصر الجنون والحروب القاسية،

هل نستطيع أن نتوقف عن التفكير، ونتابع حياتنا اليومية او ننصرف لمتابعة اخبار اخرى في مكان ما آخر. لا يسمع به صوت صافرات الإنذار ودوي الانفجارات

في زمن الحروب، يصبح وعينا ضرورة ملحة. لكن الوعي الحقيقي ليس في كثرة ما نتابعه، بل في قدرتنا على تحمل كل هذا الظلم والدمار والوجع.

كل شيء حولنا كارثياً وموجعاً، وبين عالم ظالم يمضي بسرعة ولا يهدأ وبين عقولنا التي تحاول ان تستوعب ذلك تبقى الحاجة ملحّة إلى شيء من السكينة… لا بوصفها هروبا من الواقع، بل شرطا لفهم ما يحصل حولنا وكيف نتأقلم مع كل ما يجري على ساحتنا العربية

التحدي الأكبر اليوم، ليس في قراءة ما يحصل وتحليله، بل في ألا نفقد أنفسنا ونحن نحاول ذلك… فلسنا معنيين فقط بما قد يحدث، بل بما يحدث الآن، وبأن يكون لنا موقفٌ منه، وصوت لإظهار الحقيقة وكتابة أحداثها.

نائلة الوعري

باحثة في تاريخ القدس الحديث والمعاصر


 
 
 

تعليقات


bottom of page