د. نائلة الوعري: رحيل وليد الخالدي… المؤرخ الذي حفظ ذاكرة فلسطين
- قبل 5 أيام
- 3 دقيقة قراءة

د. نائلة الوعري
برحيل المؤرخ الفلسطيني الكبير وليد الخالدي تفقد فلسطين واحدًا من أبرز مؤرخيها المعاصرين، ومن القامات العلمية التي كرّست حياتها لتوثيق تاريخ فلسطين والدفاع عن روايتها في مواجهة محاولات الطمس والتزييف. فقد انتمى الدكتور الخالدي إلى جيلٍ من الباحثين الذين أدركوا مبكراً، أن معركة فلسطين ليست معركة سياسية فحسب، بل هي أيضًا معركة معرفة وذاكرة وتاريخ.
كرّس البرفيسور وليد الخالدي حياته للبحث العلمي الرصين، وأسهم في ترسيخ تقاليد الدراسات الأكاديمية حول فلسطين، وكان من مؤسسي مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، التي أصبحت مرجعًا علميًا مهما للباحثين في تاريخ القضية الفلسطينية.
ولم يقتصر دور الخالدي على البحث والتأليف، بل امتد أيضا إلى العمل الأكاديمي في الجامعات الغربية، حيث بدأ مسيرته الأكاديمية بالتدريس في جامعة أكسفورد بعد دراسته فيها، قبل أن يستقيل عام 1956 احتجاجاً على العدوان الثلاثي على مصر. ثم واصل مسيرته العلمية لاحقا في الجامعة الأميركية في بيروت، وأسهم من خلال عمله الأكاديمي وأبحاثه في تعريف الأوساط العلمية في الغرب بتاريخ فلسطين وقضيتها.
وقد كان من أوائل الباحثين الفلسطينيين الذين نقلوا الرواية التاريخية الفلسطينية إلى الجامعات ومراكز البحث في أوروبا وأمريكا، في وقتٍ كانت فيه الرواية الصهيونية أكثر حضورًا في الخطاب الأكاديمي الغربي. ومن خلال محاضراته وأبحاثه ومشاركاته العلمية قدّم قراءة تاريخية موثقة للقضية الفلسطينية، مستندًا إلى المصادر والوثائق، مما جعله أحد أبرز الأصوات الأكاديمية التي أسهمت في إبراز القضية الفلسطينية في الغرب.
وقد ترك المؤرخ الفلسطيني الكبير وليد الخالدي إرثاً علمياً مهماً في المكتبة العربية والعالمية، ومن أبرز مؤلفاته كتاب «ما قبل الشتات» الذي وثّق الحياة الفلسطينية قبل النكبة من خلال صور وشهادات تاريخية نادرة تعكس ملامح المجتمع الفلسطيني ومدنه وقراه قبل عام 1948.
كما يُعد كتابه «لكي لا ننسى: القرى الفلسطينية التي دُمّرت عام 1948» من أهم الأعمال التوثيقية عن النكبة، إذ قدّم فيه دراسة موسّعة عن القرى الفلسطينية التي دُمّرت خلال حرب عام 1948، موثقًا ما تعرّض له أهلها من تهجير ومجازر. وقد أصبح هذا الكتاب مرجعًا أساسيا، ولا تكاد تخلو مكتبة فلسطينية أو مكتبة باحث في تاريخ فلسطين من هذا العمل التوثيقي المهم.
وبمثل هذه الأعمال رسّخ وليد الخالدي مكانته بوصفه أحد أبرز المؤرخين الذين كرّسوا جهودهم لحفظ الذاكرة التاريخية للشعب الفلسطيني.
أما على المستوى الشخصي، فقد تعرّفتُ إلى البروفيسور وليد الخالدي خلال زيارة قمت بها إلى مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت عام 2008، وكنت أحمل معي نسخ من كتابي الأول
«دور القنصليات الأجنبية في هجرة واستيطان اليهود في فلسطين»، لإيداعية في مكتبة المؤسسة وهو في الأصل رسالتي للماجستير من جامعة بيروت العربية بإشراف المؤرخ المرحوم البروفيسور حسان حلاق.
كان الدكتور الخالدي يومها في اجتماع داخل المؤسسة، فعرّفني عليه الصديق المرحوم مازن الدجاني الذي حمل الكتاب وقدّمه له. دخلتُ للسلام عليه، وما إن عرّفتُه بنفسي حتى بادرني بابتسامة قائلاً:
نائلة … أنتِ ابنة فايز الوعري الضابط. ثم أضاف مبتسماً، أن والدي فايز كان صديقه، وأنهما كانا يلتقيان كلما سنحت الفرصة لشرب القهوة في فندق أمريكان كولوني في القدس، برفقة بعض الأصدقاء. وذكر أن تلك اللقاءات كانت تتم في الفترة التي كان فيها والدي يعمل ضابط ارتباط في قيادة منطقة القدس، قبل انتقاله للعمل في عمّان. وكان فندق أمريكان كولوني في تلك السنوات ملتقىً لأبناء المدينة ومثقفيها، ومكانًا تلتقي فيه الشخصيات السياسية والفكرية القادمة إلى القدس.
لكن السنوات حملت بعدها تحولاتٍ كبرى فرّقت كثيرا من أبناء ذلك الجيل، وتباعدت بهم الطرق بين المنافي والعواصم، وبقيت تلك اللقاءات جزءًا من ذاكرة زمن جميل من حياة القدس وعلاقات أهلها.
ثم تناول الكتاب بين يديه وتأمّل العنوان قليلا، وأبدى اهتماما واضحًا بالموضوع. وقال إن اختيار البحث في دور القنصليات الأجنبية مدخل مهم لفهم مرحلة مفصلية من تاريخ فلسطين، وأعرب عن إعجابه بعنوان الكتاب وموضوعه، وأكد لي هذه دراسة مهمه، ولم يكتب عنها احد من قبل .ثم شكرني على الاهداء وشجعني على مواصلة البحث في هذا المجال، مؤكدًا أننا ما زلنا بحاجة إلى دراسات علمية توثّق تلك المرحلة من تاريخ القضية الفلسطينية.
كانت كلماته يومها تشجيعاً كبيراً لي كباحثة في بداية الطريق، وقد بقيت تلك اللحظة محفورة في الذاكرة، خصوصًا أنها صدرت عن مؤرخ كبير كرّس حياته للدفاع عن الحقيقة التاريخية لفلسطين.
برحيل وليد الخالدي نفقد مؤرخًا كبيرًا من جيلٍ حمل همّ الرواية الفلسطينية وسعى إلى تثبيتها في الوعي الأكاديمي العالمي، لكن ما تركه من مؤلفات وأبحاث سيبقى شاهدًا على جهد علمي صادق في حفظ ذاكرة فلسطين.
وسيظل اسمه وإرثه العلمي نبراسًا يهتدي به الباحثون والمؤرخون في كتابة تاريخ فلسطين بصدقٍ وأمانة.
باحثة ومؤلفة في تاريخ القدس




تعليقات